بقلم:ايناس

هل سمعتم يوماً بمحاكمَ قُضاتُها كُثُر، يطلقون أحكامهم بلا بيّنة ولا برهان؟ محاكم تُساق إليها الاتهامات ضدّ الإنسان دون أن يُمنح حقّ الدفاع عن نفسه، لتصدر بحقّه أحكامٌ قد تكون أشدّ وطأةً على الروح من أحكام القضاء الواقعي.

إنّها «محكمة الآراء الشخصيّة»؛ تلك التي لا تحتاج إلى قاعة، ولا قاضٍ، ولا أدلّة. يقع في شِباكها ضحايا يُحاكَمون ويُقيَّمون بسطحيّةٍ بالغة، بناءً على مظهرهم، أو كُنيتهم، أو خلفيّاتهم الاجتماعيّة. فمنهم من يُدان لمجرّد أنّه اختار مساراً لا يشبه مسارهم، ومنهم من يُحاكَم على ملامح لم يخترها، أو مرضٍ أنهك جسده وغيّر ملامحه.

إنّ اختزال قيمة الإنسان وهويّته الكاملة في مظهر خارجي أو لقب موروث يُعَدّ سلوكاً ظالماً، يجرّد الأفراد من إنسانيّتهم ويحرمهم من الفرص العادلة. هذه النظرة الضيّقة لا تعكس حقيقة الشخص وجوهره، بل تعكس حجم الجهل والتمييز الذي لا يزال يتغلغل في بعض الثقافات، ممّا يؤكّد حاجة المجتمعات الماسّة إلى تعزيز قيم الوعي والقبول، والتعامل مع الآخرين بناءً على عقولهم وأخلاقهم، لا على قشورهم الخارجيّة.

ولعلّ أكثر الضحايا تعرّضاً لتُهَم هذه المحكمة هم الفقراء؛ إذ يكفي أن يلمحك أحدهم بسيط الحال، ليرشقك بسهام اتهاماته، ولعلّ أقسى تهمةٍ وُجّهت إليهم هي تهمة «فقدان الكرامة»!

فمنذ متى كان الفقر جريرةً تُدان بها الإنسانيّة؟ ومن ذا الذي قال إنّ قلّة المال تعني فقدان الكرامة؟

إنّ الفقر قد يُثقل كاهل الإنسان، ويحرمه من مباهج الدنيا، لكنّه أبداً لا ينتزع منه حقّه في الاحترام، ولا يسلب منه كرامته التي وُلد بها حرّاً.

ولعلّ خير شاهدٍ على ذلك أنّنا كثيراً ما نجد إنساناً كادحاً، بالكاد يملك قوت يومه، يعمل بنَصَبٍ ليسدّ رمقه، ومع ذلك تجده عفيف النفس، شريف اليد، نبيلاً في خُلُقه، شهماً في أفعاله؛ يملك قلباً نابضاً بالرحمة، يسارع إلى نجدة غيره بكلّ ما أوتي من قوّة.

وفي المقابل، قد يصادفنا إنسانٌ ثريّ المال، دنيء النفس، يعتدي على حقوق الآخرين، عديم النفع للمجتمع، منقاداً بذلٍّ لجشعه وأطماعه؛ فبربّكم، مَن منهما الفقير حقّاً؟!

ومن هنا، إيّاكم أن تجعلوا من ماديّات الناس أو أشكالهم ميزاناً لكرامتهم، ولا تجعلوا من فقرهم تهمةً تُدان بها إنسانيّتهم؛ فكم من فقيرٍ أغناه عِزُّ نفسه، وكم من غنيٍّ أفقرته دناءة طباعه.

دعوا الخَلق للخالق، فهو الأعلم بما تخفيه الصدور. ولعلّ أجمل ما نفعله اليوم هو أن نُعلن إغلاق تلك المحاكم الجائرة، ونُحطّم مطارق أحكامها الظالمة، لنترك الإنسان يُعرَف بنقاء قلبه، وجميل أفعاله، لا بما يملكه من حطام الدنيا، ولا بما فُرض عليه من أسماء وأشكال.

اترك تعليقاً

نبذة عن المؤسس ورئيس التحرير:


رنيم عبيد،صحفية وباحثة في القضايا الإنسانية و الاجتماعية .
طالبة في الاتصال والإعلام في تخصص الصحافة الرقمية في الجامعة العربية المفتوحة في الأردن، أجمع بين التخصص الإعلامي والخلفية الأكاديمية المتخصصة في مجال الصحة النفسية

أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل إخباري للحدث، بل هو أداة إصلاح وبناء المجتمع وتصحيح الوعي الجمعي.

ومن واقع هذا الشغف المزدوج بين الإعلام وفهم الإنسان، أسست “صحيفة الرنيم الرقمية” لتكون منصة رائدة في تطبيق مفهوم “صحافة الحلول”، وتقديم محتوى إنساني .اجتماعي.ثقافي رزين ومؤثر

Let’s connect