الرسالة الخامسة: الفتن الأربع في سورة الكهف… وكيف ينجو منها المؤمن؟



ليست الفتن دائمًا ابتلاءاتٍ ظاهرةً نعرفها حين نراها؛ فقد تأتي في صورة عقيدةٍ نتمسك بها، أو مالٍ نحرص عليه، أو علمٍ نغترّ به، أو قوةٍ نبطِشُ بها.

وفي سورة الكهف، تتجلّى نماذج إنسانية عميقة تكشف أربعًا من أعظم الفتن التي قد تواجه الإنسان في حياته:

فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم

وفتنة القوة والسلطان.

فأصحاب الكهف واجهوا” فتنة الدين”، حين تعارض إيمانهم مع واقعٍ يهدّد عقيدتهم، واختاروا الثبات على الحق، ولجؤوا إلى الله قائلين:

﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.

أما صاحب الجنتين، فيجسّد “فتنة المال “حين يتحوّل النعيم إلى مصدر غرور، وينسى الإنسان أن ما يملكه ليس ضمانًا لبقائه، ولا دليلًا على رضا الله عنه. ويأتي التذكير الإلهي ليعيد الميزان إلى موضعه:

﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام،تتجسد “فتنة العلم” لنتعلّم أن العلم، مهما بلغ الإنسان منه، لا يحيط بكل شيء؛ فهناك من الحكمة ما قد يخفى علينا، وما نجهله أوسع مما نعلم. ولذلك يبقى التواضع للحق، والصبر في طلب المعرفة، من أعظم أخلاق طالب العلم.

ثم تأتي قصة ذي القرنين لتقدّم نموذجًا” لفتنة القوة” حين تقترن بالإيمان والعدل والعمل الصالح؛ فالقوة ليست في ذاتها شرًّا، وإنما تكمن العبرة في كيفية استخدامها، ولمن تُسخَّر، وهل تكون وسيلةً للإصلاح وحماية الضعفاء أم بابًا للظلم والاستعلاء.

إن هذه القصص ليست حكاياتٍ نقرؤها ثم نمضي، بل مرايا نرى فيها أنفسنا وأسئلتنا اليومية: هل يثبت إيماننا حين يصبح مكلفًا؟ وهل نشكر الله على ما نملك؟ وهل نتواضع حين نتعلّم؟ وهل نستخدم ما نملك من نفوذ وقدرة في نصرة الحق؟

إن النجاة من الفتن تبدأ بمعرفة مواضع الضعف في النفس، والاعتصام بالله، والتواضع للحق، والعمل بما يرضيه.

وهنا تتجلّى رسالة سورة الكهف:

أن النجاة ليست في امتلاك أسباب القوة وحدها، بل في امتلاك البصيرة التي ترشدنا إلى الطريق الصحيح.

فأيّ هذه الفتن أشدّ حضورًا في حياتنا اليوم؟ وكيف يمكننا أن نواجهها بإيمانٍ ووعيٍ ومسؤولية؟

اترك تعليقاً

نبذة عن المؤسس ورئيس التحرير:


رنيم عبيد،صحفية وباحثة في القضايا الإنسانية و الاجتماعية .
طالبة في الاتصال والإعلام في تخصص الصحافة الرقمية في الجامعة العربية المفتوحة في الأردن، أجمع بين التخصص الإعلامي والخلفية الأكاديمية المتخصصة في مجال الصحة النفسية

أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل إخباري للحدث، بل هو أداة إصلاح وبناء المجتمع وتصحيح الوعي الجمعي.

ومن واقع هذا الشغف المزدوج بين الإعلام وفهم الإنسان، أسست “صحيفة الرنيم الرقمية” لتكون منصة رائدة في تطبيق مفهوم “صحافة الحلول”، وتقديم محتوى إنساني .اجتماعي.ثقافي رزين ومؤثر

Let’s connect