سلسلةرحلة إلى النور..

لماذا بدأت سورة الكهف بالقرآن قبل أصحاب الكهف؟

في كل جمعة، يعود ملايين المسلمين إلى سورة الكهف، يقرؤون آياتها، ويتأملون قصصها، ويستحضرون ما فيها من دروس في الإيمان والثبات والهداية.

لكن سؤالًا جديرًا بالتأمل يسبق قصة أصحاب الكهف نفسها:

إذا كانت السورة قد سُمّيت باسم الكهف، فلماذا لم تبدأ بقصة أصحاب الكهف؟ ولماذا افتتحها الله تعالى بالحديث عن القرآن؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح بابًا مهمًا لفهم السورة كلها.

البداية من الوحي

يقول الله تعالى:

«﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۝ قَيِّمًا﴾»

قبل أن يحدثنا القرآن عن الفتية، حدثنا عن الكتاب.

وقبل أن نصل إلى الكهف، وضع أمامنا الوحي.

وكأن في ذلك إشارة إلى أن النجاة من الفتن لا تبدأ بالبحث عن مكان نهرب إليه، وإنما تبدأ بالبحث عن النور الذي نهتدي به.

فالإنسان قد تضيق به الحياة، وقد تختلط أمامه الطرق، وقد تتعدد الأصوات من حوله، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى ميزان يعرف به الحق من الباطل، والصواب من الخطأ.

وهذا هو القرآن.

لماذا بدأ الله بالحمد؟

افتتحت السورة بالحمد لله على نعمة إنزال الكتاب.

ولم يكن ذلك عرضًا؛ فالقرآن يلفت أنظارنا إلى أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في رحلته: الهداية.

فالمال نعمة، والصحة نعمة، والأمن نعمة، والأسرة نعمة، لكن هذه النعم كلها تحتاج إلى هداية حتى يعرف الإنسان كيف يستخدمها، وكيف يحافظ عليها، وكيف يسير بها في الطريق الصحيح.

ولهذا تأتي نعمة القرآن في مقدمة النعم التي ينبغي أن يعرف الإنسان قدرها.

كتاب بلا عوج

يصف الله كتابه بأنه لا عوج فيه، ثم يقول:

«﴿قَيِّمًا﴾»

فالقرآن كتاب يهدي ويقوم.

يقوّم العقيدة إذا انحرفت، ويقوّم القلب إذا قسا، ويقوّم الأخلاق إذا فسدت، ويعيد للإنسان ميزانه حين تضطرب أمامه الموازين.

وهنا تظهر العلاقة بين افتتاح السورة وقصصها اللاحقة.

فالسورة ستأخذنا بعد ذلك إلى نماذج مختلفة من الفتن: فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة القوة.

لكنها تضع القرآن أولًا؛ لأن الإنسان يحتاج إلى النور قبل أن يواجه الظلام.

الدنيا زينة… ولكن الاختبار في العمل

بعد الحديث عن الكتاب، تنتقل السورة إلى الدنيا وما فيها من زينة:

«﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۝ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾»

الدنيا جميلة بما فيها، لكنها ليست الغاية.

والاختبار ليس في كثرة ما نملك، وإنما في كيف نعمل بما نملك.

ولهذا لم يقل الله تعالى: «أيهم أكثر عملًا»، وإنما قال:

«﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾»

فالقيمة ليست في كثرة الحركة وحدها، وإنما في حسن العمل وإخلاصه.

وقد نُقل عن الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير «أحسن عملًا» أنه قال: «أخلصه وأصوبه»؛ أي أن يكون العمل خالصًا لله، موافقًا للحق والهدي.

إن القرآن في حياة المؤمن هو دليل الطريق ومركب النجاة.
حين تكثر الفتن يكون هو المرجع، وحين تختلط الأصوات يكون هو الميزان، وحين تضيق السبل يكون هو النور الذي يعيد للقلب اتجاهه..
ولهذا تبدأ سورة الكهف بالكتاب قبل الكهف؛ فالقرآن لم ينزل ليكون حاضراً على الألسنة فقط، بل ليحيي القلوب ويقود الحياة.

✍️ بقلم: الأستاذ محمد خلدون عبيد
(باحث في الدراسات الإسلامية والتعايش مع الآخر)


اترك تعليقاً

نبذة عن المؤسس ورئيس التحرير:


رنيم عبيد،صحفية وباحثة في القضايا الإنسانية و الاجتماعية .
طالبة في الاتصال والإعلام في تخصص الصحافة الرقمية في الجامعة العربية المفتوحة في الأردن، أجمع بين التخصص الإعلامي والخلفية الأكاديمية المتخصصة في مجال الصحة النفسية

أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل إخباري للحدث، بل هو أداة إصلاح وبناء المجتمع وتصحيح الوعي الجمعي.

ومن واقع هذا الشغف المزدوج بين الإعلام وفهم الإنسان، أسست “صحيفة الرنيم الرقمية” لتكون منصة رائدة في تطبيق مفهوم “صحافة الحلول”، وتقديم محتوى إنساني .اجتماعي.ثقافي رزين ومؤثر

Let’s connect