إن الإبداع سمة اتسمت بها المجتمعات الإنسانية منذ القدم، وكان الإبداع بكل أشكاله من عوامل صناعة الحضارات المختلفة؛ حيث شكلت العناصر الإبداعية حجر أساس في مختلف المجالات في حياة الأمم. وقد تركت كل حضارة بصمة مختلفة في الأدب والعلوم والمخترعات التي تركت أثرها على البشر؛ كاختراع السومريين للكتابة في بلاد ما بين النهرين، واختراع الورق، واختراع أشكال أدبية جديدة على صعيد الأدب كالموشحات الأندلسية في العصر الأندلسي.


ولا يختلف الأمر عندما يتعلق بالفن والأدب على وجه الخصوص، وهما وجهان من أهم وجوه الإبداع، إلا أن الإبداع في هذين المجالين بالتحديد فيه خصوصية؛ وهي أن الفن بكل أشكاله عموماً (كالسينما والدراما والمسرح والموسيقى)، والأدب بأشكاله (من رواية وقصة وقصيدة)، من الممكن أن يشكّلا شراكة في تقديم عمل إبداعي جديد يكون فيه الأدب والفن وجهين لعملة واحدة.


الأمثلة في الأعمال الفنية على اختلافها كثيرة؛ ففي مجال الرواية الأدبية التي تحولت إلى سينما أو دراما، نجد في الدراما السورية مثلاً مسلسل “ذاكرة الجسد” ومسلسل “الندم”، وفي الدراما المصرية مسلسل “نحن لا نزرع الشوك”، و”لن أعيش في جلباب أبي”، و”حديث الصباح والمساء”. وهكذا الأمر في مجال السينما؛ حيث تم تحويل “ثرثرة فوق النيل” و”دعاء الكروان” إلى أفلام سينمائية تُعتبر من أهم أفلام السينما المصرية. وقد أنتج اجتماع هذه الروايات بالإبداع السينمائي أو الدرامي أيقونات فنية مختلفة عن الأدب الأصلي؛ حيث ساهم اجتماع هذه الأعمال الروائية بالفنون البصرية من سينما ودراما في اتساع انتشارها.


وهكذا الحال في القصيدة العربية واجتماعها مع الموسيقى العربية؛ فقد أنتج هذا الالتقاء روائع غنائية أذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر- قصائد تحولت إلى أغاني مثل: “الأطلال”، و”رباعيات الخيام”، و”قارئة الفنجان”، و”يا ست الدنيا يا بيروت”، و”أحن إلى خبز أمي”، و”أراك عصي الدمع”، و”المواكب”، و”مدرسة الحب”، وغيرها الكثير. وقد خلدت الموسيقى هذه القصائد حتى أصبحت تتردد على أفوّاه العامة، ولم تعد القصيدة أو الرواية حكراً على المثقفين.


وأعتقد أن وجهاً آخر من أوجه الإبداع في الفن والأدب يتمثل في الجِدّة والابتكار؛ فلا يكون المبدع مبدعاً حقيقياً إلا إذا قدم كل جديد وواكب زمانه، وهذا أمر مهم. ففي مجال الأدب رأينا الجديد يتمثل في الاتجاهات والمدارس الشعرية التي ظهرت في العصر الحديث مثل شعراء الإحياء. أما في مجال الفن، فرأينا كثيراً من الاختلافات والظواهر الجديدة في السينما والدراما وغيرها من أشكال الفن؛ ففي الأغنية بدأنا نسمع أغاني بشكل جديد تعتمد على لغة ثانية مع العربية في ظاهرة جديدة لم تكن موجودة من قبل. أما في السنوات الأخيرة، فقد رأينا الدراما المعربة عن الدراما التركية في ظاهرة لم نعهدها من قبل؛ بحيث يُقدَّم المسلسل التركي بوجوه عربية، وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لهذه الظاهرة، إلا أنها لاقت صدى واسعاً بين الجماهير.


ولقد قدم الفن العربي، سواء في السينما أو الدراما في التسعينيات وبداية الألفية، أعمالاً كثيرة تركت أثراً في ذاكرة المشاهدين؛ منها مثلاً أفلام كوميدية مصرية مثل “صعيدي في الجامعة الأمريكية” و”عسل أسود”، أما في الدراما فهناك “الفصول الأربعة” و”أحلام كبيرة” وغيرها.


كما أن هناك تغيراً في القضايا التي بدأت الدراما السورية بطرحها بعد الحرب، حيث قدمت مفردات ومصطلحات جديدة خاصة في الأعمال الدرامية التي قُدمت في سنوات الحرب؛ إذ تطرقت الدراما إلى ما عاشه السوريون في أعمال كثيرة مثل “سنعود بعد قليل”، و”الندم”، و”غداً نلتقي”.


إن المبدع الحقيقي هو الذي يسخر موهبته -أيّاً كانت- للتحدث عن هموم البشرية بغض النظر عن اللون والعرق والطائفة والمذهب والجنسية؛ ذلك لأن أي عمل فني أو أي مجال إبداعي لا يستهدف الإنسانية (ولو في جزئية معينة) يكون بعيداً عن الإبداع، بل ويعكس أيضاً أزمة في التعبير عن الذات. فليس المطلوب أن يُسخَّر الفن والأدب خصوصاً والإبداع عموماً للقضايا الكبرى فقط، بل إن عملاً رومانسياً يمكن أن يُقدَّم بشكل جيد ليعبر عن مشاعر الإنسان.


ويبقى السؤال: كيف يكون الإبداع في الفن والأدب حقيقياً؟ وهل نستطيع القول إن خلق ظواهر جديدة في الفن والأدب كافٍ لصنع عملية إبداعية متكاملة؟

اترك تعليقاً

نبذة عن المؤسس ورئيس التحرير:


رنيم عبيد،صحفية وباحثة في القضايا الإنسانية و الاجتماعية .
طالبة في الاتصال والإعلام في تخصص الصحافة الرقمية في الجامعة العربية المفتوحة في الأردن، أجمع بين التخصص الإعلامي والخلفية الأكاديمية المتخصصة في مجال الصحة النفسية

أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل إخباري للحدث، بل هو أداة إصلاح وبناء المجتمع وتصحيح الوعي الجمعي.

ومن واقع هذا الشغف المزدوج بين الإعلام وفهم الإنسان، أسست “صحيفة الرنيم الرقمية” لتكون منصة رائدة في تطبيق مفهوم “صحافة الحلول”، وتقديم محتوى إنساني .اجتماعي.ثقافي رزين ومؤثر

Let’s connect