
عندما يكون التعليم حقًا إنسانيًا، لكنه امتياز لا يحصل عليه الجميع
في الوقت الذي يُعد فيه التعليم جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان في مختلف مراحله العمرية، لا يزال ملايين الأطفال والشباب حول العالم يواجهون عوائق تحول دون وصولهم إلى المدارس والجامعات والاستمرار في التعليم.
وترتبط هذه العوائق بأسباب متعددة، من بينها الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تجعل الفرص التعليمية غير متاحة للجميع بالقدر نفسه.
فالفقر، على سبيل المثال، قد يدفع بعض الأسر إلى إعطاء الأولوية لتوفير الاحتياجات الأساسية، كالغذاء والسكن، بينما يصبح الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أمرًا صعبًا أو شبه مستحيل. وقد يضطر بعض الأطفال والمراهقين إلى العمل لمساعدة أسرهم، فيغادرون مقاعد الدراسة في سن مبكرة.
وفي بعض المجتمعات، تؤدي الظروف الاجتماعية إلى حرمان الأطفال والشباب، وخاصة الفتيات، من استكمال تعليمهم. وقد يحدث ذلك نتيجة عمالة الأطفال، أو اضطرار المراهقين إلى العمل، أو الزواج المبكر للفتيات، وهي كلها صور من عدم المساواة تؤدي إلى ضياع فرص تعليمية كان من الممكن أن تغير مستقبلهم.
وتزداد المشكلة تعقيدًا في المناطق والبلدان التي تشهد حروبًا ونزاعات مسلحة، سواء بصورة مستمرة أو على فترات. فالحروب لا تهدد حياة المدنيين وأمنهم فحسب، وإنما تترك آثارًا عميقة في استقرارهم النفسي والاجتماعي والتعليمي.
فالمدرسة والجامعة يفترض أن تكونا مكانًا للتعلم والأمان، لكنهما قد تصبحان غير متاحتين بسبب تدمير المباني، أو النزوح، أو الخوف من استمرار أعمال العنف. وقد تضطر الأسر إلى ترك منازلها والانتقال إلى أماكن أخرى، ليصبح استمرار الأطفال والشباب في الدراسة تحديًا جديدًا يُضاف إلى سلسلة طويلة من الصعوبات التي يواجهونها.
ولا تتوقف آثار الحرمان من التعليم عند مرحلة الطفولة. فالطفل الذي يترك المدرسة في سن مبكرة قد يواجه في المستقبل فرصًا أقل للحصول على عمل مستقر، وقد يصبح أكثر عرضة للوقوع في دائرة الفقر والاستمرار فيها.
ومع مرور السنوات، قد يصبح هذا الطفل أبًا أو أمًا، وإذا لم يمتلك القدرة على توفير التعليم لأبنائه، فقد تنتقل الظروف الصعبة من جيل إلى آخر. وهكذا يتحول التعليم من فرصة فردية إلى عامل يمكن أن يؤثر في مستقبل الأسرة بأكملها، بل وفي المجتمع أيضًا.
فالتعليم في جوهره ليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل هو حق أساسي وضرورة تساعد الإنسان على فهم نفسه والعالم من حوله، وعلى التفكير بصورة أكثر وعيًا، واتخاذ قرارات أكثر حكمة.
فالعلم هو النور الذي يضيء العقول. فمن خلال التعليم يتعلم الإنسان القراءة والكتابة، ثم يتعلم كيف يسأل ويحلل ويميز بين المعلومات، ويعرف حقوقه وكيف يحميها، ويتعلم أيضًا كيف يعبّر عن أفكاره ويتعامل مع الآخرين بصورة لائقة وأخلاقية.
والتعليم الجيد لا يزوّد الفرد بالمعلومات فقط، بل يساعده على بناء شخصيته، وتطوير قدرته على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعامل مع الآخرين. كما يمنحه مهارات يمكن أن تساعده على دخول سوق العمل وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي.
ولا يقتصر أثر التعليم على الفرد وحده. فعندما يحصل الإنسان على تعليم جيد، يمكن أن ينعكس ذلك على أسرته من خلال تحسين فرص العمل والدخل، وعلى أطفاله في المستقبل من خلال زيادة اهتمامهم بالتعلم وحرصهم على توفير فرص تعليم أفضل لهم.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول تعليم فرد واحد إلى فرصة تمتد آثارها إلى أجيال أخرى. ومن هنا يصبح الاستثمار في التعليم استثمارًا في المجتمع بأكمله، وليس في الإنسان بمفرده.
لكن ضمان الحق في التعليم لا يعني فقط بناء المزيد من المدارس، بل يعني أيضًا توفير تعليم متاح وآمن وجيد، وتمكين الأطفال والشباب من الاستمرار فيه دون أن تحول ظروف أسرهم أو أماكن إقامتهم أو الأزمات المحيطة بهم دون ذلك.
وهذا يتطلب معالجة الأسباب التي تقف وراء الحرمان من التعليم، مثل الفقر والمشكلات الاجتماعية والنزاعات والحروب والنزوح، إلى جانب توفير الدعم النفسي والمادي للأطفال والشباب والأسر الأكثر احتياجًا.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا أصبح التعليم امتيازًا يحصل عليه بعض الناس دون غيرهم؟ فهذه المشكلة أصبحت واضحة، وإنما السؤال الأهم هو: كيف نضمن ألّا يكون التعليم امتيازًا يحصل عليه بعض الأطفال والشباب، بينما يُحرم منه آخرون؟
فكل طفل يجلس في فصل دراسي، وكل شاب يجد مكانه في الحرم الجامعي، لا يتعلم لنفسه فقط، بل يكتسب أدوات يمكن أن تساعده على بناء حياة أكثر استقلالًا، وربما تساهم في تغيير حياة أسرته ومجتمعه.
ولهذا، فإن جعل التعليم حقًا فعليًا للجميع لا يمثل مجرد هدف تعليمي، بل هو خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر عدلًا وقدرة على بناء مستقبله.
فحرمان الإنسان من التعليم لا يعني فقط حرمانه من الدراسة، وإنما يعني أيضًا تقليص قدرته على اختيار مستقبله بحرية وعدالة، وربما إهدار فرصة لبناء إنسان قادر على أن يكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، وقدوة حسنة وأملًا جديدًا لبلاده.
بقلم: ندا عبداللاه
خريجة كلية التربية – تخصص اللغة الإنجليزية

اترك تعليقاً