بقلم:  ناهد سباهي

فضاء رقمي بين الإبداع والسطحية


لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل المعرفة، بل غدت فضاءً تتجاور فيه الأفكار الهادفة مع المحتويات التي تقوم على الإثارة والسطحية.

وبين هذا التنوع، يبرز نوع من المحتوى استطاع أن يجذب ملايين المتابعين، ليس لما يقدمه من قيمة معرفية أو ثقافية، وإنما لقدرته على مخاطبة المشاعر والغرائز واستثارة الفضول الإنساني.

ويقصد بالمحتوى التافه، في هذا السياق، ذلك المحتوى الرقمي الذي تغلب عليه محدودية القيمة المعرفية أو الثقافية، ويعتمد على استعراض التفاصيل اليومية أو السلوكيات المثيرة أو المبالغة في صناعة الترفيه، دون أن يترك أثرًا إيجابيًا يسهم في تنمية الوعي أو بناء المعرفة.

من يقف وراء انتشار الظاهرة؟

لا يمكن رد انتشار هذا النوع من المحتوى إلى سبب واحد، فالمسؤولية تتوزع بين صناع المحتوى، والجمهور، وخوارزميات المنصات الرقمية، فضلًا عن البيئة التنظيمية التي تعمل فيها تلك المنصات.

فمن جهة، هناك من يدخل عالم صناعة المحتوى دون امتلاك أدوات معرفية أو مهنية، فيجد في الشهرة السريعة والربح السهل دافعًا لتقديم محتوى يقوم على الإثارة أو استعراض الحياة الشخصية. وفي المقابل، يوجد صناع محتوى يمتلكون المعرفة والخبرة، لكنهم يدركون أن المحتوى السطحي غالبًا ما يحصد تفاعلًا أكبر من المحتوى الهادف، فيختارون الطريق الأسرع إلى الانتشار والعائد المادي، رغم إدراكهم لما قد يخلفه ذلك من آثار سلبية.

الخوارزميات… المحرك الخفي

تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات تمنح الأفضلية للمحتوى الأكثر قدرة على جذب التفاعل، سواء أكان ذلك عبر المشاهدات أو التعليقات أو المشاركات. وبذلك، يصبح معيار النجاح هو حجم الانتباه الذي يحققه المحتوى، لا قيمته الفكرية أو الإنسانية.

ويؤدي هذا النموذج إلى تشجيع إنتاج محتويات تركز على الإثارة والمفاجأة واستثمار الفضول البشري، لأنها تحقق معدلات مشاهدة أعلى، وبالتالي أرباحًا أكبر لصناعها.

هل نحن أمام “اقتصاد التفاهة”؟

تدفع هذه المعادلة إلى التساؤل عما إذا كان المحتوى منخفض القيمة قد تحول إلى جزء من منظومة اقتصادية قائمة بذاتها، يمكن تسميتها بـ”اقتصاد التفاهة”. ففي هذا النموذج، تتحول المشاهدات إلى سلعة، ويصبح جذب الانتباه هدفًا اقتصاديًا بحد ذاته.

ويظهر ذلك في محتويات تقوم على الاستعراض المفرط للاستهلاك، والترويج لأنماط حياة مترفة، وعرض المشتريات الفاخرة، أو تقديم تحديات وسلوكيات مثيرة للجدل، بما يخدم مصالح المعلنين ويعزز الثقافة الاستهلاكية لدى المتابعين.

الجمهور… شريك في صناعة الظاهرة

لا يمكن تجاهل دور الجمهور في استمرار هذه المنظومة. فالمتلقي لا يبحث دائمًا عن المعرفة، بل قد تدفعه فطرته الإنسانية إلى متابعة تفاصيل حياة الآخرين، أو إلى البحث عن متنفس يخفف من ضغوط الحياة اليومية.

كما يجد بعض المراهقين في حياة المؤثرين نموذجًا جذابًا بما تحمله من مظاهر الشهرة والثراء والرفاهية، في حين يتابع آخرون هذا المحتوى بدافع الفضول أو المقارنة أو التسلية، وهو ما يمنح هذه الحسابات مزيدًا من الانتشار والتأثير.

أثرها في الشباب وأصحاب الكفاءات

لا تقتصر آثار المحتوى التافه على زيادة نسب المشاهدة، بل تمتد إلى تشكيل تصورات الشباب حول النجاح. فعندما يشاهد أصحاب الكفاءات محتوى محدود القيمة يحقق شهرة وعوائد مالية ضخمة، بينما يواجه المحتوى المعرفي صعوبة في الوصول، قد يتولد لديهم شعور بالإحباط، أو قناعة بأن النجاح لم يعد مرتبطًا بالكفاءة بقدر ارتباطه بالقدرة على جذب الانتباه.

وهذا الشعور، إذا ترسخ، قد يضعف ثقة بعض الشباب بقيمة العلم والعمل والإبداع، ويؤثر في دافعيتهم للإنتاج المعرفي.

انعكاسات اجتماعية تتجاوز الشاشة

تمتد آثار هذه الظاهرة إلى المجتمع أيضًا، إذ يسهم بعض المحتوى في إعادة تشكيل منظومة القيم عبر تطبيع ممارسات تقوم على استعراض الخصوصيات الأسرية أو استغلال الأطفال أو توظيف أفراد الأسرة في المحتوى الترويجي بهدف تحقيق الأرباح.

كما يؤدي الإفراط في عرض أنماط الحياة الفاخرة أو العلاقات المثالية إلى خلق مقارنات غير واقعية، قد تؤثر في الرضا عن الحياة والعلاقات الأسرية، رغم أن كثيرًا مما يعرض أمام الجمهور يخضع للإعداد والإخراج، ويستهدف تحقيق الانتشار قبل أي شيء آخر.

مسؤولية مشتركة

إن معالجة هذه الظاهرة لا تتحقق بإلقاء اللوم على طرف واحد، بل تتطلب مسؤولية مشتركة بين صناع المحتوى، والجمهور، والمنصات الرقمية، والمعلنين، والجهات التنظيمية.

وتبدأ المعالجة بتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، ودعم المحتوى الهادف، وتحفيز المنصات على منح مساحة أكبر للمحتويات ذات القيمة، إلى جانب رفع وعي الجمهور بآليات عمل الخوارزميات وكيفية توظيفها في اقتصاد الانتباه.

سؤال مفتوح

في المحصلة، لا تبدو قضية المحتوى التافه مجرد موجة عابرة، بل ظاهرة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية. ويبقى السؤال مطروحًا: هل يواصل هذا المحتوى تمدده مستفيدًا من اقتصاد المشاهدات، أم ينجح وعي الجمهور في إعادة الاعتبار للمحتوى الذي يضيف قيمة حقيقية إلى الإنسان والمجتمع؟

الإجابة، في نهاية المطاف، لن تصنعها الخوارزميات وحدها، بل سيحددها أيضًا ما يختاره الجمهور من محتوى يستحق المتابعة والدعم.

اترك تعليقاً

نبذة عن المؤسس ورئيس التحرير:


رنيم عبيد،صحفية وباحثة في القضايا الإنسانية و الاجتماعية .
طالبة في الاتصال والإعلام في تخصص الصحافة الرقمية في الجامعة العربية المفتوحة في الأردن، أجمع بين التخصص الإعلامي والخلفية الأكاديمية المتخصصة في مجال الصحة النفسية

أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل إخباري للحدث، بل هو أداة إصلاح وبناء المجتمع وتصحيح الوعي الجمعي.

ومن واقع هذا الشغف المزدوج بين الإعلام وفهم الإنسان، أسست “صحيفة الرنيم الرقمية” لتكون منصة رائدة في تطبيق مفهوم “صحافة الحلول”، وتقديم محتوى إنساني .اجتماعي.ثقافي رزين ومؤثر

Let’s connect