
مقال ساخر بقلم الكاتبة : ناهد سباهي
صحن الفتوش الذي يدخل القلب قبل المعدة؛ الطبق الذي كان من بديهيات السفرة السورية، انتقل في رحلة مدهشة من طاولة البسطاء إلى طاولة الأثرياء، وكأنّه خجل من كونه طبقاً شعبياً، وقرّر أن يرتفع بمقامه عالياً.
هل يحتاج الفتوش إلى ميزانية؟
المفاجئ، يا حضرات، بعد ما كان الفتوش ممثلاً مساعداً في الدراما الغذائية، صار نجم الشباك، وخطف البطولة من المشاوي والمحاشي.
الفتوش لم يعد مجرد سلطة على هامش السفرة، بل أصبح يحتاج وجوده سلفة بنكية، بدءاً من البندورة التي شغلت الناس بأسعارها الفلكية؛ حيث يستيقظ المواطن ليتابع
“بورصة البندورة”، ويبدأ التداول بالتنهيدات التي ترتفع لتفوق كل المؤشرات.
تسوق يوجع الجيبة…
تبدأ رحلة التسوق مع جملة: “يا صباح يا عليم”، وكون محلات الخضار باتت حكراً على المقتدرين، فالموظف المعتر وأصحاب الدخل المحدود وجهتهم المباشرة إلى بسطات السوق، وبالرغم من الغلاء غير المعهود، ستتسلل إلى مسامعك عبارة يلونها الحياء من جهة، والاستحياء من جهة أخرى: (الله يديم علينا نعمة البسطات).
ينظر إلى قائمة الأسعار باستغراب، ثم تبدأ الجولة بالخيار (يالطيف الألطاف)، أخي ممكن تعطيني أوقية بالمعية؟ يلتفت ويسأل: ما سعر ربطة البقدونس؟ أي شو هاد! لتكون عشبة أسطورية؟ الناس بالسوق عم تشتري البقلة بالعرق الواحد وتشكر الخالق، والليمون يا حبذا لو ينباع بالقطارة، والمضحك المبكي أنه بلدنا بلد الحمضيات بجدارة.
طابور الفرن طويل، يعني قادر تحضر صحن الفتوش لبين ما يوصلك الدور، أما زيت الزيتون، فحلم صعب المنال، ولو حاولنا نستعيض عنه بزيت الذرة، ما بيمشي الحال؛ لأنه كلهم بالهوى سوى من ناحية الأسعار.
دلل ضيفك بالفتوش
قديمًا كان ينشغل التفكير بالطبق الرئيسي، أما الفتوش فمضمون الحضور، حالياً الفتوش سيد المائدة، وحل محل الكبسة والمندي والشاكرية، على اعتبار أنها أطباق خيالية، يعني بيكفي صحن مجدرة، إلى جانبه يتبختر صحن فتوش وربطة خبز، لتكون العزيمة ملوكية، وينظر لك ضيفك على أنك صاحب كرم حقيقي وأكابرية.
حين أصبح الفتوش ذاكرةً تُشتهى
ولعلنا نتذكر مشهد الطفلة زهرية في مسلسل “الخوالي”، حين كانت تردد عبارتها الشهيرة: “فتّش قلبنا من الفتوش”، بعدما أصبح الفتوش طعاماً متكرراً بسبب محاصرة الفرنسي للحارات الشامية.
لكن، يا زهرية، الزمن تغير؛ فضيفنا بهالأيام ما بيفتش قلبه من كثرة الفتوش، وع الأغلب يفتش قلبه شوقاً إليه.
أمنيات بطعم الفتوش…
طبق ملون صغير، على مائدة موظف بسيط، أصبح وجوده أمنية مؤجلة كغيرها من الأمنيات.
كيف غدا اجتماع الخضراوات في طبق واحد رفاهية تستحق دقيقة صمت؟ وكيف تحولت نظرة الضيف إليه من نظرة عادية إلى انبهار؟
أما الطفل الذي اعتاد على ترك بقايا الخضار في صحنه، تراه يريد المزيد والمزيد، فكل ممنوع مرغوب، خصوصاً إذا كان المنع يتعلق بالجيوب.
بالأمس كان الفتوش يدخل القلب قبل المعدة، لكنه اليوم لم يعد ركناً أساسياً إلى جانب الأطباق المتغيرة، ولا رفيقاً بسيطاً لقائمة طعام ميسرة، بل تحول لطبق من فئة الخمس نجوم.
مين كان يصدق أن طبقاً خفيفاً على المعدة، سيتحول إلى طبقٍ ثقيلٍ على الميزانية؟ بالماضي حوصرت الحارات، وبقي الفتوش يزين الموائد… واليوم حاصرته الأسعار، فأصبح رفاهيةً تُناقشها صفحات الجرائد.
أما السؤال هنا… هل سيعود الفتوش إلى مكانته الطبيعية على لائحة الأطعمة السورية؟

اترك تعليقاً