لم أكن أعلم أن الرحلة إلى حلب ستأخذني إلى مكان أبعد من وجهتي، وأن الرفيقة التي جمعتني بها مقاعد القطار ستضع بين يدي حكاية أثقل من أن تُروى في ساعات السفر.

 

اعتدت أن أقضي بعض أيام العطلة مع صديقاتي، متنقلات بين المحافظات؛ فالسفر إحدى هواياتي التي أحبها، وإن كان لا يخلو من لحظات الغربة التي تنتابني في بدايته. لذلك لا أنسى اصطحاب صديقي المفضل، الكتاب، خير جليس وأنيس، وربما رفيقاً خفيف الظل يشاركني الرحلة.

 

أما أكثر ما لا أحبه في السفر، فهو الوقت الطويل الذي أمضيه في المركبة، ولا سيما أن النوم يستعصي عليّ مهما طالت المسافة، فأجدني أراقب الركاب النائمين، وأتأمل أوضاعهم المتباينة، بين ما يثير الضحك وما يبعث على الشفقة.

في تلك الرحلة، جلست إلى جوار سيدة أنيقة، تبدو في الأربعين أو تتجاوزها بقليل. كان في ملامحها هدوء لافت، وفي ابتسامتها ما يوحي براحة النفس. وبعد دقائق من انطلاق القطار، التفتت إليّ وسألتني بودّ:

 

–  في أي محطة ستنزلين؟

 

أدركت أنها تبحث عن رفيقة تكسر بها ملل الطريق، فأجبتها ضاحكة:

 

– في المحطة الأخيرة، في حلب.

 

– إذن ستكونين رفيقتي طوال الرحلة!

 

تبادلنا الحديث، وعرفت أنني ذاهبة لزيارة صديقة، كما أخبرتها أنني أعمل في مجال التربية وعلم النفس، وأخصص يومين من عملي لمتابعة بعض المشكلات والرد على الرسائل التي تصلني، سواء كانت نفسية أم اجتماعية.

 

سألتني باستغراب: وهل تستطيعون إيجاد حل لكل مشكلة؟

 

أجبتها بثقة:

 

– لكل مشكلة منفذ، وإن تأخر الوصول إليه. وقد لا نستطيع تغيير الواقع دائماً، لكننا نستطيع أن نساعد الإنسان على احتمال ألمه، وأن نفتح أمامه نافذة للأمل.

 

صمتت قليلاً، ثم نظرت إليّ نظرة اختلط فيها الحزن بالابتسام.

 

– وماذا لو كانت هناك مشكلة بلا حل؟

 

التفتُّ إليها، وقد لفتني شيء من الانكسار في نبرة صوتها.

 

– يبدو أنك تحملين حكاية ثقيلة.

 

تنهدت وقالت:

 

– سأخبرك بحكايتي، لكنني أظن أنك لن تجدي لها حلاً.

 

لم أكن أعلم أنني على وشك الإصغاء إلى قصة ستعيد ترتيب كثير من أفكاري عن الحياة، وستجعلني أكتشف أن بعض الجراح لا تترك آثارها على الجسد وحده، بل تستقر في أعماق الروح.

 

بدأت حكايتها من طفولتها، قبل نحو أربعين عاماً، حين كانت في الخامسة من عمرها. كانت تختزن في ذاكرتها صوراً متناقضة للأمومة؛ حناناً وعطفاً ينالهما إخوتها، وقسوة وعنفاً كانا من نصيبها وحدها.

 

لم تفهم آنذاك لماذا تُعامل بهذه الطريقة، ولماذا تستيقظ على الصراخ والضرب، بينما يُعامل إخوتها برفق. كانت تُكلَّف بتنظيف المنزل وترتيبه قبل الذهاب إلى المدرسة، وتخرج من دون أن تتناول فطورها، في الوقت الذي تجلس فيه أخواتها إلى المائدة.

 

كان سؤال واحد يطاردها كلما كبرت:

 

لماذا لا تحبني أمي كما تحب إخوتي؟

 

سألتها عن موقف والدها، فأجابت بغصة:

– رحمه الله، كان ضعيفاً أمام تلك المرأة، لا يستطيع الاعتراض عليها، حتى عندما منعتني من الذهاب إلى المدرسة وجعلتني خادمة لها ولأخوتي. ولولا تدخل عمي وإصراره على أن يأخذني لأعيش مع أولاده، لما أكملت تعليمي.

 

ثم كشفت لي الحقيقة التي لم تعرفها إلا بعد انتقالها إلى بيت عمها.

 

– المرأة التي كنت أظنها أمي لم تكن أمي، بل زوجة أبي. تزوجها أبي لظروف مادية، وكانت كلما غضبت هددته بطلاقه أو بطلاق أمي الأولى. ولأن ظروفه المادية كانت صعبة، اختار أن يطلق أمي.

 

كانت في الرابعة من عمرها حين وقع الطلاق، ولم تحتفظ من والدتها إلا بملامح باهتة. وبعد أن تزوجت أمها ورحلت عن البلاد، انقطعت أخبارها، ولم يعد أحد يعرف إن كانت حية أم ميتة.

 

أما عمها، فقد احتضنها كواحدة من أبنائه، رغم ضيق حاله، وكان والدها يتفقدها بين الحين والآخر ويعرض عليه المال، لكنه كان يرفض، محتسباً رعايتها عند الله.

تنفست السيدة بعمق، وكأنها تحاول إغلاق باب قديم في ذاكرتها.

 

– كبرت، وتعلمت، ودخلت الجامعة. ظننت أن الأيام الصعبة أصبحت خلفي، لكن يبدو أن الحزن كان ينتظرني في منعطف آخر.

 

في الجامعة، أحبها أحد المعيدين، وكان الحب متبادلاً. وحين تقدم لخطبتها، توفي عمها، فانقلبت فرحتها إلى عزاء. وبعد انتهاء الحداد وتخرجها من كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية، عاد الشاب إلى والدها طالباً يدها، لكن والدها رفضه وطرده بحجة أنه لا يناسب مستواها الاجتماعي والمادي.

 

ابتسمت بسخرية مريرة وقالت:

 

– تخيلي! يعترض على مستواه الاجتماعي، وكأنني تربيت ونشأت في بيته!

 

لمعت الدموع في عينيها وهي تتابع:

–  لقد وأد أبي الحب في قلبي. ورأيته منذ مدة في إحدى الحدائق، وقد أصبح أستاذاً جامعياً، وبرفقته زوجته وأطفاله الثلاثة. نظر إليّ ولم يعرفني.

 

سكتت قليلاً، ثم قالت:

 

– لكن هذه لم تكن نهاية الحكاية.

 

بعد أسبوع واحد من رفض والدها، اختار لها زوجاً من أصدقائه الأثرياء، يكبرها بنحو ضعف عمرها. كان ثرياً ووسيماً ورقيق الإحساس، ولم يرفض لها طلباً. منذ أيام الزواج الأولى أغدق عليها الهدايا، وأهداها سيارة فاخرة، وعاشت معه حياة مرفهة، ظنت أنها ستعوضها بعض ما افتقدته في طفولتها وشبابها.

 

مر عام، ثم آخر، وكانت السعادة تبدو مكتملة، لولا حلم واحد ظل ينقصها: طفل يملأ البيت ضحكاً، ويمنح حياتهما معنى آخر.

 

كلما فاتحته برغبتها في الإنجاب، كان يطمئنها قائلاً:

 

–  ما زال لدينا الوقت، وكل شيء بمشيئة الله. لكن الوقت مضى، وبدأت رحلة العلاج. تنقلت بين أطباء النساء، وأنفقت مبالغ طائلة على أدوية وعلاجات لم تجلب لها سوى الخيبة. بعض الأطباء أكدوا عدم وجود مشكلة لديها، وآخرون أثقلوها بعلاجات مكلفة لا طائل منها.

 

كان زوجها يرافقها، ويقف إلى جانبها، ويواسيها كلما اشتد بها الألم.

 

قلت لها:

 

–  وهل خضع زوجك للفحوصات أيضاً؟

 

أجابت:

 

–  كان يقول إنه فحص نفسه، وإن الأطباء أكدوا سلامته. وعندما اقترحت عليه الزواج بأخرى أو إجراء طفل الأنابيب، كان يغضب ويطلب مني ترك الأمر للأيام.

 

ثم توقفت، وحدقت في وجهي، وكأنها تستعيد لحظة لم تستطع تجاوزها.

 

–  إلى أن جاءت الصدفة وكشفت لي ما لم يخبرني به طوال سنوات.

 

كانت في أحد النوادي مع صديقاتها، حين جاءت سيدة وسلمت على إحداهن. وبعد مغادرتها، ذكرت إحدى الحاضرات أنها كانت زوجة سابقة لرجل ثري، ثم أوردت اسم زوجها.

 

تجمدت في مكانها.

 

طلبت من السيدة أن تعيد ما قالت، ثم أخبرتها أن الرجل المقصود هو زوجها الحالي.

 

وبعد لقاء تلك المرأة، انكشفت الحقيقة كاملة؛ فقد عاشت الزوجة السابقة معه حياة سعيدة أيضاً، لكنها اكتشفت بعد رحلة طويلة من محاولات الإنجاب، وبمساعدة أخيها الطبيب، أن المشكلة لم تكن لديها، بل إن زوجها لا يستطيع الإنجاب. وحين طلبت الطلاق، منحها حقوقها وانفصلا بهدوء، ثم تزوجت وأنجبت أطفالاً.

 

نظرت إليّ السيدة، وقد تغير صوتها تماماً:

–  أتصدقين؟ كان زوجي يعرف الحقيقة منذ زواجه الأول، ومع ذلك تركني أتنقل بين الأطباء، وأخضع للعلاجات والعمليات الجراحية، وهو يعلم أنني لا أعاني من المشكلة!

 

ثم أضافت بصوت مرتجف:

 

– والأسوأ أن إحدى تلك العمليات تسببت لي بالعقم فعلاً. أصبحت مثله، لا أنجب، لكن باختلاف السبب!

 

لم أجد ما أقوله. كانت الحقيقة أقسى من أن تحتملها الكلمات.

 

تابعت:

 

– لم يعد يؤلمني أنني لن أنجب بقدر ما يؤلمني أنه خدعني. لماذا لم يخبرني؟ لماذا سمح لي بكل ذلك العذاب؟ لماذا كان يبكي بحرقة حين أدخل غرفة العمليات، وهو يعلم الحقيقة؟

 

ثم أردفت بحيرة: –  أحياناً أشعر بحبه، فأغفر له في داخلي، وأحياناً أخرى يغمرني الغضب، فأستعيد كل ما حدث. أعيش بين حب وبغض، ولا أعرف كيف اجتمعا في قلبي!

 

سألتها:

 

– وهل ما زلت تعيشين معه؟

 

أجابت:

 

– نعم. اعتدت حياتي معه، ولا أريد أن أبدأ من جديد. لكنني لا أستطيع أن أنسى. كلما فتحت عيني صباحاً تذكرت أنني دفعت من عمري وصحتي ثمناً لكذبة لم أخترها.

 

قلت لها:

 

– ربما خاف أن تنهار صورته في عينيك، فاختار أن يحافظ على رجولته في نظرك على حساب حقك في معرفة الحقيقة.

أطرقت برأسها، ثم قالت:

 

– لو خُيّرت بينه وبين الطفل، لاخترت الطفل. لكنني لم أكن أملك حق الاختيار. الخداع هو ما كسرني، وليس الحرمان وحده.

 

وصلت حكايتها إلى نهايتها، لكنني بقيت معلقة عند بدايتها؛ طفلة حُرمت حنان أمها، ثم فتاة حُرمت حبها، ثم امرأة حُرمت حلم الأمومة، وفي كل مرة كان القرار يُتخذ عنها، وكأن حياتها ملك للآخرين.

 

تساءلت في داخلي: ماذا أقول لها؟

 

هل أنصحها بالصبر والاستمرار؟ أم أطالبها بترك رجل اعتادت رفاهيته، رغم ما تركه في قلبها من جرح؟ وهل سيكون الانفصال عقاباً له، أم بداية معاناة جديدة لها؟ ثم كيف يمكن للإنسان أن يستعيد سنوات ضاعت، أو يعوض حلماً أصبح تحقيقه مستحيلاً؟

 

وبينما كنت أبحث عن كلمات تليق بوجعها، وضعت يدها على يدي وقالت بهدوء:

– لا تتعبي نفسك. لقد اعتدت وضعي، واستسلمت له.

 

عندها أدركت لماذا سألتني منذ بداية الرحلة إن كنت أستطيع إيجاد حل لكل مشكلة، ولماذا كانت تصر على أن حكايتها بلا حل.

 

لأول مرة شعرت أن خبرتي في الحياة قليلة، وأن الإصغاء إلى وجع الآخرين قد يعلمنا ما لا تمنحنا إياه سنوات الدراسة والعمل.

 

لم تكن تلك مجرد رحلة إلى مدينة أخرى، بل رحلة إلى أعماق إنسانة حملت أحلامها المكسورة بصمت، وعاشت زمناً طويلاً بين حقيقة غابت عنها ووهم صدقته.

 

تذكرت حينها أن للسفر فوائد كثيرة، لكنني عدت من تلك الرحلة بفائدة لم أكن أتوقعها: أن بعض الحكايات لا تمنحنا حلولاً، لكنها تمنحنا فهماً أعمق للحياة، وتجعلنا أكثر رحمة بالآخرين، وأقل استعجالاً في إصدار الأحكام.

 

أما تلك السيدة، فقد بقيت صورتها في ذاكرتي، وبقي سؤالها يتردد في داخلي:

هل يمكن للإنسان أن يعيش مع من سرق حلمه، ويواصل حبه، كأن شيئاً لم يكن؟

 

 

اترك تعليقاً

نبذة عن المؤسس ورئيس التحرير:


رنيم عبيد،صحفية وباحثة في القضايا الإنسانية و الاجتماعية .
طالبة في الاتصال والإعلام في تخصص الصحافة الرقمية في الجامعة العربية المفتوحة في الأردن، أجمع بين التخصص الإعلامي والخلفية الأكاديمية المتخصصة في مجال الصحة النفسية

أؤمن بأن الإعلام ليس مجرد ناقل إخباري للحدث، بل هو أداة إصلاح وبناء المجتمع وتصحيح الوعي الجمعي.

ومن واقع هذا الشغف المزدوج بين الإعلام وفهم الإنسان، أسست “صحيفة الرنيم الرقمية” لتكون منصة رائدة في تطبيق مفهوم “صحافة الحلول”، وتقديم محتوى إنساني .اجتماعي.ثقافي رزين ومؤثر

Let’s connect