بقلم: ناهد سباهي

اعتياد النعمة…قد يولد النقمة
أمام غرفة التنظير الهضمي، أقف وحيدة بأنفاس متقطعة، وقلب مبعثر النبضات. أنتظر خروج طفلي الصغير، ابن الثماني سنوات، الذي ظل طوال الليل يبصق الدم.
خرج الطبيب من الغرفة، وسلّمني أنبوباً يحتوي عيّنة من معدة ابني، طالباً مني إيصالها سريعاً إلى المختبر.
تجمدت في مكاني. ليس لديَّ ترف الانهيار؛ فطفلي ما زال على طاولة التخدير، ولا أحد بجانبي.
استجمعت ما تبقى من قوتي، وحملت الأنبوب إلى المختبر. لكن تماسكي الهش إنهار أمام أعين العاملين هناك. بكيت وتوسلت علّني أحصل على النتيجة بسرعة، فلم أكن أطيق الانتظار.
في تلك الليلة، نام صغيري في حضني. ضممته بشدة، خشية أن أفقده، شممت رائحته وقبّلت جبينه، وبقيت أراقب أنفاسه كأنني أراه للمرة الأولى، وكم كنت أخشى أن تكون الأخيرة.
تذكرت أيامه الروتينية؛ حين كان يستيقظ بنشاط، تسبقه ابتسامته المعهودة ، يودعني متجهاً إلى مدرسته. تذكرت كم من صباحٍ مرَّ دون قبلة مني على خده، وعدد المرات التي تململت من ضجيجه وهو يلهو.
ونسيت أن للضجيج أحياناً لذّة لا نعرفها حتى نمرّ بتجربة تجعلنا نشتاق إليه.
لم يكن القلق الذي عشته مجرد لحظات ثقيلة مرّت وانقضت، بل إن الخوف من فقدان طفلي جعلني أكتشف أنني تعاملت مع وجوده كأمر مضمون.
كذلك لم يكن الندم خلاصة هذه التجربة المُرّة، بقدر ما كان بمثابة جرس إنذار لتغافل غير مقصود، دفعني إلى أن أستمع لطفلي أكثر، أشاركه اللعب، أحتضنه دون انتظار مناسبة، أعامله بروية ولطف.
نِعمُ الله تحيط بنا في تفاصيل أيامنا؛ في الصحة، والأمان، ووجود من نحب، وفي يوم ينقضي دون خبر سيء. لكن الاعتياد قد يجعل وجود النعمة أمراً طبيعياً لا يستوقفنا.
هل المشكلة في القلة أم الاعتياد؟
قد لا تكون المشكلة دائماً في قلة ما نملك ، بل في اعتياد ما بين أيدينا، فنغدو قاصرين عن إدراك قيمته،وتزداد الغفلة حين نقارن بين ما حصلنا عليه وما لدى الآخرين ،فننشغل بما ينقصنا ونتناسى ما لدينا.
تذكرت وأنا أستعيد تفاصيل تلك الليلة قول الله تعالى: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».
فالشكر، بالنسبة إليّ، لم يعد مجرد كلمة أرددها بلساني، بل وعياً وامتناناً يظهر في تعاملنا مع النعم؛ عبر سجدة صادقة، تأمل هادئ، تقدير من نحب قبل أن يغدو وجودهم مجرد ذكرى.
بعد تلك الليلة، لم تعد الأيام العادية تبدو لي كما عرفتها. أن أراه معافى، يملأ البيت بصوته، ينام مطمئناً بالقرب مني، كلها تفاصيل ثمينة، لا أقوى حتى على التفكيرفي خسارتها.
لم يكن ما مررت به درساً في الخوف فقط، بل تنبيهاً إلى السهوة التي قد نقع فيها جميعاً : أن نعتاد النعمة حتى نكفّ عن ملاحظتها. لا أريد أن أنتظر تجربة مؤلمة أخرى لتذكرني بمقدار العطايا. أريد أن أتعلم، ما استطعت، أن أقدر ما منحي الله إياه مهما كان بسيطاً.
والسؤال الأهم
هل بمقدور الإنسان أن يعي خطورة الاعتياد،وأن يقدر النِعم، قبل أن يوقظه زوالها؟

اترك تعليقاً