بقلم: الأستاذ محمد خلدون عبيد
باحث في الدراسات الإسلامية – التعايش مع الآخر وأثره في سلوك المسلمين.

مع ازدياد الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية، أصبح الإرشاد النفسي من المجالات المهمة في دعم الصحة النفسية ومساعدة الفرد على التعامل مع المشكلات والتغيرات التي يمر بها.
فالتغيرات المتسارعة في أنماط الحياة، وتباعد العلاقات الاجتماعية، والضغوط الأسرية والاقتصادية، إلى جانب التطورات التكنولوجية والتربوية، جعلت الإنسان أكثر عرضة لصراعات ومواقف قد تؤثر في توافقه النفسي والاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية الإرشاد النفسي، ليس فقط في التعامل مع المشكلات بعد ظهورها، وإنما أيضًا في الوقاية منها، ودعم نمو الشخصية، وتعزيز قدرة الفرد على فهم ذاته واتخاذ قراراته والتكيف مع ظروف حياته.
ما المقصود بالإرشاد النفسي؟
يرتبط مفهوم الإرشاد في اللغة بمعنى الرشد والهداية والدلالة إلى الطريق الصحيح.
ويذكر ابن منظور في لسان العرب أن الرشد والرشاد نقيضان للضلال، وأن الرشد هو إصابة وجه الأمر والطريق، بينما يعني الإرشاد الدلالة والهداية إلى الطريق. ومن معاني اسم الله تعالى «الرشيد»: الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم ودلّهم عليها.
وهذا المعنى اللغوي يقدّم مدخلًا مهمًا لفهم الإرشاد؛ فهو لا يعني اتخاذ القرارات نيابة عن الإنسان، وإنما مساعدته على فهم واقعه ورؤية الخيارات المتاحة أمامه بصورة أكثر وعيًا.
ليس من السهل وضع تعريف واحد شامل للإرشاد النفسي؛ فقد تعددت تعريفاته باختلاف الاتجاهات والمدارس النفسية. وركز بعض الباحثين على العلاقة بين المرشد والمسترشد، بينما ركز آخرون على عملية الإرشاد نفسها أو النتائج التي تسعى إلى تحقيقها.
ومن التعريفات التي تناولت مفهوم الإرشاد النفسي تعريف حامد عبد السلام زهران، الذي يرى أنه عملية واعية ومستمرة وبنّاءة ومخططة، تهدف إلى مساعدة الفرد على معرفة نفسه وفهم ذاته وشخصيته وخبراته، وتحديد مشكلاته وحاجاته، والتعرف إلى إمكاناته والفرص المتاحة أمامه، بما يساعده على اتخاذ قرارات مناسبة وحل مشكلاته، وصولًا إلى تحقيق الذات والصحة النفسية والتوافق مع نفسه ومع الآخرين.
ويظهر في هذا التعريف أن الإرشاد النفسي لا يقتصر على التعامل مع المشكلة القائمة، بل يمتد إلى تنمية وعي الإنسان بذاته وإمكاناته، ومساعدته على اتخاذ قرارات أكثر ملاءمة لحياته.
كما ترتبط العملية الإرشادية بمحيط الفرد، إذ يمكن أن تسهم الأسرة والمربون والمؤسسات التعليمية والإرشادية في دعم الفرد ومساعدته على النمو والتوافق.
الإرشاد النفسي ودوره الوقائي
يرى حسن أحمد الداهري أن الإرشاد يمكن أن يتناول المشكلات الانفعالية التي تعيق تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي السليم، ما دامت لم تصل إلى مستوى المرض النفسي أو العقلي، ويهدف إلى مساعدة المسترشد على استعادة التوازن ودعم نمو شخصيته بصورة إيجابية.
وبهذا المعنى، يحمل الإرشاد النفسي جانبًا وقائيًا ونمائيًا؛ إذ يمكن أن يساعد الفرد على التعامل مع بعض الصعوبات في مراحل مبكرة، قبل أن تتفاقم آثارها وتصبح أكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي؛ فليس كل من يطلب المساعدة النفسية مصابًا باضطراب نفسي، كما أن بعض الحالات تحتاج إلى تدخل علاجي متخصص من أخصائي نفسي أو طبيب نفسي بحسب طبيعة الحالة وشدتها.
التوجيه والإرشاد
يتكون مجال التوجيه والإرشاد من مفهومين مترابطين: التوجيه Guidance والإرشاد Counseling.
ويُستخدم التوجيه في المجال النفسي لمساعدة الفرد على فهم مشكلاته وتفسيرها، والتعامل معها أو التخفيف من آثارها، إلى جانب مساعدته على تحديد اتجاهاته وأهدافه بما يدعم نموه وتكيفه بصورة أفضل.
أما الإرشاد النفسي فيركز بدرجة أكبر على مساعدة الفرد في فهم ذاته ومشكلاته، والاستفادة من إمكاناته وخبراته، والوصول إلى قرارات وحلول أكثر وعيًا من خلال العملية الإرشادية والعلاقة المهنية مع المرشد.
وعلى الرغم من وجود تداخل بين المفهومين في بعض الاستخدامات، فإن كليهما يرتبط بهدف أساسي هو مساعدة الإنسان على تحقيق قدر أكبر من النمو والتوافق النفسي والاجتماعي.
الإرشاد النفسي في المنظور الإسلامي
عند الحديث عن الإرشاد النفسي من منظور إسلامي، تبرز أهمية النظر إلى الإنسان بصورة متكاملة؛ فالإنسان في التصور الإسلامي ليس كائنًا ماديًا منفصلًا عن قيمه وروحه، وإنما هو إنسان له حاجات نفسية واجتماعية وروحية، ويتأثر سلوكه بمنظومة القيم والمبادئ التي يؤمن بها.
ومن هنا يمكن أن يقوم الإرشاد النفسي في المنظور الإسلامي على الاستفادة من المعرفة النفسية والإرشادية، مع مراعاة القيم والمبادئ الإسلامية في فهم الإنسان ومشكلاته وسبل مساعدته.
ولا يعني ذلك اختزال المشكلات النفسية في الجانب الديني، أو اعتبار الاضطرابات النفسية دليلًا على ضعف الإيمان، كما لا يعني الاستغناء عن العلوم النفسية أو العلاج الطبي عند الحاجة.
بل إن المنظور الإسلامي يمكن أن يضيف إلى العملية الإرشادية بُعدًا قيميًا وروحيًا يساعد الإنسان على فهم علاقته بنفسه وبالآخرين وبالحياة، وعلى التعامل مع الأزمات ضمن منظومة من المعاني والقيم التي تشكل جزءًا من هويته وحياته.
ومن المهم هنا التأكيد على أن الإرشاد النفسي والعلاج النفسي والرعاية الدينية مجالات متكاملة وليست بدائل متطابقة؛ فلكل منها اختصاصه وحدوده المهنية.
متى يمكن أن يحتاج الإنسان إلى الإرشاد النفسي؟
لا تقتصر الحاجة إلى الإرشاد النفسي على الحالات المرضية، فقد يلجأ إليه الإنسان في مراحل مختلفة من حياته عندما يواجه صعوبة في فهم نفسه أو التعامل مع مشكلة تؤثر في توازنه وتوافقه.
ومن الحالات التي قد يكون فيها الإرشاد مفيدًا:
صعوبة التعامل مع المشكلات الأسرية والعلاقات الاجتماعية.
الحيرة أمام القرارات المهمة في الحياة.
صعوبة التكيف مع تغيرات الحياة أو الظروف الجديدة.
المشكلات الانفعالية التي تؤثر في الحياة اليومية.
الحاجة إلى فهم الذات والقدرات والإمكانات بصورة أفضل.
المشكلات المتعلقة بالدراسة أو العمل والاختيارات المهنية.
تكرار أنماط سلوكية أو مشكلات يصعب على الفرد فهم أسبابها أو التعامل معها.
أما عندما تكون الأعراض النفسية شديدة أو مستمرة أو تؤثر بصورة واضحة في قدرة الإنسان على ممارسة حياته، فقد تكون هناك حاجة إلى تقييم متخصص لتحديد نوع التدخل المناسب.
الإرشاد النفسي والصحة النفسية
الصحة النفسية لا تعني غياب الاضطرابات النفسية فقط، بل ترتبط أيضًا بقدرة الإنسان على فهم ذاته، والتعامل مع الضغوط، وبناء علاقات متوازنة، واتخاذ قرارات مناسبة، والتكيف مع متطلبات الحياة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يؤدي الإرشاد النفسي دورًا مهمًا في دعم الصحة النفسية من خلال مساعدة الإنسان على فهم ذاته، واكتشاف إمكاناته، والتعامل مع مشكلاته، وتنمية قدرته على اتخاذ القرار، وتحقيق قدر أكبر من التوافق النفسي والاجتماعي والمهني.
وفي المنظور الإسلامي، يمكن أن تتكامل هذه الأسس العلمية مع المنظومة القيمية والروحية للإسلام، بما يراعي طبيعة الإنسان في أبعادها النفسية والاجتماعية والروحية، مع الحفاظ على حدود الاختصاص المهني لكل من الإرشاد النفسي والعلاج النفسي والرعاية الدينية.
المراجع:
ابن منظور، محمد بن مكرم. (1986). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
زهران، حامد عبد السلام. (2005). التوجيه والإرشاد النفسي. الطبعة الرابعة. القاهرة: عالم الكتب.
الخطيب، أحمد. (2004).

اترك تعليقاً